ذكريـــــــات

الذكرى الأولى «حرب الخليج الأولى»
وضعت الحرب أوزارها..
لملم الجنود أشلاءهم المبعثرة على طول الحدود، وبدأت قوافلهم تنهب الطرقات عودةً إلى الأهل والديار..
بكت الأمهات الثكلى ما شاء لهن، وانكفأت الأرامل على أنفسهن ما شاء لهن، واحتبست مقل الأيتام عن دموع تأبى الانحدار..
علامة استفهام كبيرة ترتسم في الأفق، تسيرها السحب مع قوافل العائدين إلى ديارهم، ماذا حدث؟ ولماذا حدث؟ وكيف حدث؟
ثمانية أعوام عجاف، أهلكت الحرث والنسل.. وخلفن في كل دار عزاء، وقلوب حرقى..
علامة تعجب كبيرة تفرض نفسها على الواقع، كلا الطرفين يهلل جذلاً بالنصر، فكلاهما أعلن انتصاره عند انتهاء الحرب..
واحتارت البشرية في أمرها، كيف بدأت؟ وكيف انتهت؟ كيف كان النصر؟ من المنتصر؟ ومن الضحية؟ لا أحد يدري.. لا أحد يهمه الأمر..
المهم إن كل شيء قد انتهى، فلا صفارة إنذار بعد الآن، ولا غارات جوية، ولا جثث، ولا خوف..
وبعد انتهاء الحرب، عاد المغيبون خلف الحدود، ما يسمونهم بـ «الأسرى»، أقسى ما تستطيع الحرب أن تمنحه من ذكرى..
الذكرى الثانية «الانتفاضة الشعبانية»
سنوات عجاف مرت عليهم كان الخوف قد صبغ ثيابهم وألوانهم فغلبت سحنتهم البشرية وطحنهم الجوع سنوات طوال.. عاشوا مصفدين بالأغلال زمناً طويلاً.. أما آن لهذا الليل البهيم أن ينجلي ولهذه القيود أن تنكسر؟ وانجلى الليل البهيم وأطل الفجر باسماً ندياً طافحاً بالبشرى.. جاء مع شعبان المعظم، ولكن سرعان ما جاء الرد قاسياً عنيفاً كأعنف ما كتب في التاريخ.. فقد هجمت أسراب الطائرات الحربية فأتت على الأخضر واليابس.. وداست المقدسات وقضمت الشيب والشباب وخلفت كربلاء أنقاضاً ورماداً.. فهرع الناس يعتصمون بالمرقدين الشريفين.. مرقدا الحسين والعباس عليهما السلام.. سقط آنذاك منهم من سقط في هذا الشارع الكبير شهداء مخضبين بدمائهم الزكية فوق تراب كربلاء.. وداست أجسادهم الدبابات.. واختلط اللحم البشري بالتراب عند قبر الحسين.. تعالت الصيحات والصرخات والآهات.. وتحركت القباب المقدسة غضبى، واهتزت وتطايرت منها أجزاء هنا وهناك..
آه.. رباه.. هل عاد الفجر إلى جوف الظلام؟ وهل أجهضت الانتفاضة كما أجهضت أخواتها من قبل.. آه.. أم مازال هناك الأمل يعمر القلوب؟
ومازالت آثار رصاص قمع الانتفاضة على ضريح الإمام الحسين عليه السلام واضحة وجلية للأعين إلى يومنا هذا..
أضــــــف الصفحــة
التعليقات ( 0 ):