الرقابة المالية.. من يحمي المال العام؟

بقلم: ابراهيم الماجد - 23/07/2010م - 3:03 م | عدد القراء: 42

لما كان المال هو من الأهمية القصوى بمكان من حيث كونه العنصر الأبرز في النهوض باقتصاد الدولة،


 وناتج ذلك على إنسانها وعمرانها فقد أولته الشريعة عناية خاصة وشددت في شأن كتابته وإقامة الشهود عليه رغبة في حفظ الحقوق وعدم تضييعها، ولما يمثله عكس ذلك حال التغالب من خلق حالة الصراع وانتهاك الحرمات والتعدي والاستحواذ بغير وجه حق.

شأن الشريعة في هذا وهدفها هو أن العدل شيئين بأن يحفظ الإنسانية والكرامة والعرض ومن ثم يحقق السعادة والاستقرار. وهذا رسول الله (ص) يطرح أبلغ درس للبشرية «لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها» في دلالة واضحة على أن المال العام لا تهاون فيه والعبث به عبث بكل مخلوق من حقه هذا المال حاضراً ومستقبلاً.

  لهذا جاءت التشريعات أو سمها التأطيرات القانونية لتضع ضوابط وقيود صارمة، وتنشئ مؤسسات يكون ركيزة عملها الرقابة على المال العام وإحالة المخالفين والمفسدين للقضاء لاتخاذ ما يناسبهم وما يردع غيرهم من أن تسول لهم أنفسهم التهاون والتفريط.

  وفي هذا السياق، وكترجمة عملية جاء إنشاء ديوان الرقابة المالية وفق المرسوم 16 لسنة 2002 وفق ما نصت عليه المادة الأولى منه أن «ينشأ جهاز مستقل يتمتع بالشخصية الاعتبارية العامة يسمى «ديوان الرقابة المالية»، ويتبع للملك» ولكنه أورد في نص مادته ما يسلب هذه الاستقلالية وتلك معضلته الأم لكونه تابعاً والتابع مقيد في كل الأحوال ورهين. وصلب عمل الديوان هو أن «يتولى مهمة الرقابة على أموال الدولة وأموال الجهات المنصوص عليه في المادة (4) من قانون الديوان، ويتحقق بوجه خاص من سلامة ومشروعية استخدام تلك الأموال وحسن إدارتها»، وذلك إيمانا بأن المال العام هو عصب الدولة وعماد نهضتها.

لذلك، فقد أحاط المشرّع المال العام بسياج من الحماية الدستورية والقانونية والرقابية اللازمة لضمان جبايته وحسن إنفاقه دون إسراف أو تبذير فيما يدعم الدولة والمجتمع ويعود عليه بالنفع. وحملت رسالة الديوان بعداً رقابياً جميلاً «التحقق من سلامة ومشروعية استخدام الأموال العامة وحسن إدارتها» وكذا رؤية الديوان تمثلت في أنه «جهاز إداري مستقل يعمل بمهنية عالية على مساعدة الجهات الخاضعة لرقابته على تحسين الأداء وتأمين المساءلة وكشف الفساد وتعزيز الشفافية». وقد تعهد الديوان بالالتزام بالمعايير الدولية الصادرة عن الاتحاد الدولي للمحاسبين.

  وقد جاءت تقارير الديوان بوضعها اليد على بؤر خلل وفساد متأصل والأمثلة كثيرة ولا يمكن حصرها هنا، وهي نقاط إيجابية تستحق الإشادة ولكن الغرابة أن لا يكون هناك أي إجراء حيالها، ويتوقف الأمر عند هذا الحد، فقد رفع الديوان تقريره إلى الجهاز التنفيذي الذي كلف بدوره الجهات المتورطة بتقديم تقرير مفصل خلال شهرين، ثم تجد الدائرة تقفل على هذا ولا تسمع من هذه الهيئات والوزارات والشركات الحكومية حسيساً ولا ردودا، وتطوى هذه الصفحة على مخالفات بسيطة جداً و«يا دار ما دخلك شر».

  والناتج من كل هذا أن هذه التقارير أصبحت فقاعات إعلامية للاستهلاك الداخلي لا تتجاوز في جودتها الحبر الذي كتبت به، بينما تغرد خارج سرب هذه التقارير أي معلومات عن المصروفات السرية الضخمة في مجال التسلح وتمويل الدواوين وما يتصل بالقيادة السياسية وهو أمر يخالف المادة 110 من دستور 2002 التي تحضر أي مصروف غير وارد في الميزانية ما لم يصدر به قانون يقره مجلسا النواب والشورى. ثم يقوم الديوان نفسه بالتصديق على الحساب الختامي للدولة رغم خلوه من أي بيان حول التغيير في الاحتياطيات المالية للدولة التي تراكمت جراء الطفرة النفطية والوفر السنوي في الميزانية الذي بلغ أكثر من 2.000 مليون دينار خلال السنوات التسع الأولى من هذا العقد.

  الفساد الذي يستشري ولا يتوقف يمثل نزفاً ضخماً وكبيراً من ثروة الأمة لمصالح خاصة، وهذه إنما تمثل مصادرة شرسة لحقوق الناس والفقراء وتشكل دعماً وحماية للأغنياء والمترفين، وهو بدوره ينتج أزمات متوالية يأتي على رأسها هدر سيادة القانون وهو أخطر أمر يمكن أن يصير عليه حال أي بلد. وفي القصاص دفع لكل حالات التراجع والانتكاس والتقهقر على مختلف المستويات وفي مختلف المجالات «ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب». وإن من الأهمية بمكان أن يكون ديوان الرقابة المالية تحت مظلة السلطة التشريعية حتى يتمتع بإطار أوسع من الصلاحيات تمكنه من أداء مهامه بلا كوابح وتكبيل.

بدون أن نمتلك جهازاً رقابياً كفؤا وله قوة قانونية تستند إلى مصلحة الشعب، وبدون أن ننتهي من الموازنات السرية، وفي ظل غياب للشفافية على القوائم المالية، وحوكمة مختلة، وإنفاق عام متضخم بلا قيد، وهدر مستشر للمال العام، وإدارة عامة مهلهلة، واقتسام للغنائم في ظل مخططات مشبوهة؛ كل هذا يقود إلى تفكك عرى الدولة ويستبيح كرامتها ولا يصون مقدراتها، وناتج كل ذلك خطير على كل الأطراف، فليس لأحد مأمن أبداً، ويبقى العدل هو الهدف فإن «في العدل سعة» و«من ضاق عليه الحقّ فالجور عليه أضيق» كما قال أمير المؤمنين علي (ع).


التعليقات ( 0 ):



لاتوجد تعليقات!


اضف تعليق:


اسمك:
بريدك الإلكتروني:
البلد:
التعليق:


أقصى عدد للحروف: 500 حرف

عدد الأحرف المتبقية: