أزمة غياب التأصيل في المجتمع البحراني

بقلم: حسين ماجد سهوان - 23/07/2010م - 3:05 م | عدد القراء: 45

عندما يكون المُخاطب شخصاً من خارج الدائرة، فإن المضمون في موضوع مثل هذا يجب أن يدور في «ضرورة التأصيل»


والمعنى المرجو من وراء هذه المفردة في ظل فوضى المصطلحات اليوم، وسط رواج لمصطلح «استحالة التأصيل»؛ ولكن المُخاطب هنا هو «الإسلامي» و«ابن التيار» الذي يتنقل رافعاً شعاراته ومُتحدثاً باسمه، وهنا تكمن المفارقة، حيث تغيب العملية التأصيلية عن حركته، والتي تُعتبر من المسلمات بالنسبة للمشتغلين بهذا الحقل المهم والخطير. ما أعنيه بالتأصيل هنا ليس «التبرير» الذي ينتقي من النص (القرآن والسنة) والتاريخ (سيرة المعصومين (ع) والمصلحين) ما يُمكن توظيفه لإقناع الناس بسلامة حركته، فهذه الحركة الانتقائية يُمكن أن تكون «استغلالاً» لا «تأصيلاً»، ولكن ما أعنيه بالتأصيل هو أن يكون النص والتاريخ، مصدرا التشريع، حاثان للتحرك، أن يكون في هذا المسار أو ذاك، أن يكونا هما الأساس الذي ينطلق منه.

الإمام الخميني «قده» عندما قاد الثورة، انطلق من قناعة فقهية وفق الظروف المحيطة آنذاك، ونظّر لها ووثّقها، وأقنع مريديه بها، ثم انطلق ليقود الثورة، وكذلك الحال بالنسبة لتجربة الإخوان المسلمين في مصر عندما تحولوا من طريق التكفير إلى الدخول في التجربة السياسية، فقد نظّر رواد الحركة وألفوا مؤلفاتهم في السجن لهذا التحول، مما ضمن لهم قناعة جماهيرية وقفت من خلفهم ودعمتهم، وقس على ذلك تجربة «حزب ا..ه في لبنان» و غيرها من التجارب.

     الشارع البحراني مع الأسف لا يعيش هذه الأجواء، ولستُ هنا بصدد الحديث عن تصرف الروّاد، ولكنني أقصد أن الجماهير لا تعيش هذا الوعي الحركي في الانطلاق من النظرة التأصيلية بهذا العمق، وإنما هي تُمارس دورها انطلاقاً من أجواء الإيمان بضرورة المطالبة، وتعيش أجواء الثورة والجهاد الحسيني، وتؤمن بمطالبها المشروعة، وهذا أمر جيد، ولكننا بحاجة إلى قراءة أكثر دقة، وإلى قراءة تأصيلية لواقعنا السياسي، وأعتقد أن التوجه التأصيلي مطروح من قبل القيادات، ويُمكننا الاستدلال على ذلك ببعض القضايا والمراحل التي مرَت بها البلاد مثل قضية «المجتمع المدني» و «الأحوال الشخصية» و «القيادة»، وقد أصّل العلماء في خطاباتهم لهذه المفردات، ولكن الجماهير لم تكن متواصلة دائماً مع هذا الخطاب؛ بل إن تفاعل البعض معها كان من باب «أنا وابن عمي على الغريب»، بمعنى أننا مع كل شيء ضد الحكومة، ولكن هذا البعض لا يعيش الهم الحركي في بُعده الإسلامي العميق، بحيث يتفهم أولوياته، وضرورات المرحلة، وغيرها من الأمور؛ بل قد يكون السؤال مشروعاً إذا ما سأل أحدهم عن مدى تفاعل الجماهير مع القيادات العلمائية فيما لو استجابت الدولة لكل مطالب الشعب المُتعلقة بالتوظيف والفقر وغيرها من الأمور، ولكنها لم تستجب للمطالب المتعلقة بالأحوال الشخصية أو الاستقلال المذهبي وغيرها من الأمور، فهل ستبقى هذه الجماهير خلف راية العلماء والقادة؟ أم أنها ستنسحب تدريجياً من الجو وتخلد إلى كنف  الراحة؟ لا أُريد هنا أن أصف الجماهير بأنها تعيش الجهل -ولا أتمنى أن يُفهم ذلك-، ولكنني هنا أقول إننا بحاجة لأن نُعيد حساباتنا كجماهير تتحرك باسم الإسلام في الخطوط التي نتحرك خلفها، أن نقرأ وجهة النظر الشرعية في الأسلوب الأمثل للتحرك، وأدّعي أنه لو تم ذلك، وأعدنا قراءتنا لمفاهيم رائجة مثل «الغطاء الشرعي» و«القيادة الشرعية» وغيرها من الأمور، لاستطعنا أن نحل الكثير من الخلافات القائمة على أرض الواقع.  المُشكلة هنا -بصريح العبارة- أننا لم نفهم مواقف علمائنا وقادتنا ومؤسساتنا من الأساس، وإنما قرأناهما من خلال المواقف النهائية التي وصلوا إليها، وهذه القراءة المبتورة هي التي أنتجت موقفاً متعصباً وسلبياً من القادة.

في الختام هذه دعوة مفتوحة لإعادة قراءة مفهوم «القيادة» و«وحدة الصف» و«الغطاء الشرعي» وغيرها من المفردات في خطاب العلماء هنا، والتي طرحوها منذ سنين، ولكنها لم تحظَ بحقها من الإطّلاع والتأمُل، من هنا سيفهم الجميع أسباب المواقف النهائية التي يتخذها العلماء، وستكون الصورة أكثر وضوحاً، ولو تمت المفاكرة في هذه الإطروحات بعناية وموضوعية، فأعتقد أننا سنُنتج تقارباً أكثر بين الفصائل المختلفة داخل التيار، أو -على أقل التقادير- سنُنتج مواقف «أهدأ».


التعليقات ( 0 ):



لاتوجد تعليقات!


اضف تعليق:


اسمك:
بريدك الإلكتروني:
البلد:
التعليق:


أقصى عدد للحروف: 500 حرف

عدد الأحرف المتبقية: