مسارات العقيدة الأمنية..
المحاربة والقضاء على المعارضة السياسية "5"

«إن النظام السياسي منذ العشرينات يتعمد في بقائه على إدعاء وجود المعضلة الأمنية ليكون الانشغال بالأمن وتقوية الأجهزة الأمنية فعلا مبررا».
«وأصبح النظام السياسي ينظر إلى قوى المعارضة على أنهم امتداد للأعداء الخارجيين وأنهم الشر الذي يجب أن يقضى عليه».
«إن استراتيجية العقيدة الأمنية تصنع تكتيكاتها وفق بعدين أساسين هما البعد العسكري (اعتقالات، فرض العقاب الجماعي، التعذيب، النفي، القتل)، والبعد الثاني ثقافي يتعلق بالهويات المجتمعية (إنكار الحقوق اللغوية، وحرية العبادة، التاريخ، الحقوق المواطنية)».
«من شأن مواد قانون العقوبات تأسيس العقيدة الأمنية على استسهال أجساد المواطنين وحرمتهم وتسهل كثيرا لقوات الأمن انتهاك كافة القوانين الحقوقية والدستورية».
تسبب إنشاء قوة الشرطة في سنة 1919/1920 فوضى عارمة في صفوف قوة النظام السياسي وزادت فوضى النظام بظهور حركة معارضة قوية في الداخل ممثلة في البحارنة والغواصين في الداخل، أما خارجيا فإن الإدارة البريطانية قد قررت توسيع صلاحياتها الاستعمارية عبر فرض نظام إداري جديد يحل محل النظام المشيخي القائم منذ .1783 مثل تلك الفوضى أفرزت ما يطلق عليه في الأبحاث الأمنية بالمأزق الأمني أو المعضلة الأمنية التي استمرت باقية وتزايدات بمرور الزمن حتى غدت صفة أساسية للنظام السياسي طوال عقود ولا تزال كذلك. لفهم وتحديد معمق لمفهوم المعضلة الأمنية يجب التطرق إلى المفهوم المعاكس وهو مفهوم الأمن الذي يشير إلى غياب تهديد اتجاه قيم مكتسبة وغياب الخوف.
وعليه فإن المعضلة الأمنية تعني عموما وجود تهديد اتجاه قيم مكتسبة واقترانه بالمخاوف ومشاعر الريبة والشك ضد الآخر، والشعور بالأمن يولد مزيدا من الشعور بالأمن حتى وإن كانت نوايا الطرف حسنة فإنه سيبقى هناك للآخر تخوف دائم يؤدي إلى المأساة وهو ما يعتبر كمأساة من الصعب التغلب والتخلص منها. وفي الواقع فإن النظام السياسي منذ ذاك التاريخ يتعمد في بقائه على إدعاء وجود المعضلة الأمنية ليكون الانشغال بالأمن وتقوية الأجهزة الأمنية شغلها الشاغل فعلا مبررا.
لقد رأينا في الحلقات السابقة أن الهم الأمني انتقل من الخارج إلى الداخل وأصبح النظام السياسي ينظر إلى قوى المعارضة على أنهم امتداد للأعداء الخارجيين وأنهم الشر الذي يجب أن يقضى عليه وهو ما اقتضى من النظام توجيه جماعات الفداوية لتنفيذ عمليات حربية ضد القرى وضد المواطنين بصورة بشعة كما يحدث الآن عندما تقوم عناصر الأجهزة الأمنية بشن هجمات انتقامية من القرى ومن المواطنين.
استراتيجيات العقيدة الأمنية
إزاء مواجهة قوى المعارضة الداخلية، طور النظام السياسي من عقيدته الأمنية لتستوعب ما يظنها تهديدات داخلية. وقامت العقيدة الأمنية على الانحياز لاستراتيجية المواجهة مع قوى المجتمع وفتح حرب مفتوحة مع المجتمع وهذا التصور مبني على الريبة من الأخر وعلى ديمومة معضلة الأمن وتم رفع شعار الأمن أولا وقبل كل شيء، ولهذا فخير سبيل لضمان استمرارية هذه الحالة هو إزالة التهديد المعني وإن تعذر ذلك فيجب تحصين الدفاعات ضده بتقوية الأجهزة الأمنية ومنحها كافة الصلاحيات وإعفائها من المساءلة والمحاسبة كما سنرى لاحقا.
ترتب على خيار مواجهة القوى السياسية المعارضة ومحاولة القضاء عليها وتقليص نفوذها إلى مجالات محددة (شخصية، فئوية، طائفية) وتشتيت عناصرها الداخلية إلى مجموعات أصغر، ترتب على ذلك انهيار منظمة الأمن الوطني برمته. وهنا تجب الإشارة إلى الاختلاف الحقيقي في منظور الأمن الوطني بين مفهوم النظام السياسي ومفهوم القوى السياسية المعارضة.
فالنظام يحصر ويقلص الأمن الوطني في مسألة المشاركة في السلطة، حيث يعتبرها خطا أحمر صاغ من أجلها حزمة قوانين تمنع ظهورها ونموها بأي شكل من الأشكال كما فرض حصارا ماديا ممثلا في التعديات والانتهاكات لحقوق الإنسان مثل الاعتقالات التعسفية والنفي والمطاردة والحرمان من الحقوق المواطنية.
ما تحاول قوى المعارضة معالجته في المأزق الأمني هو العودة بالقضية إلى حيزها الأصلي أي اشتمال الأمن الوطني على كافة مكوناته الخمسة على الأقل وهي:
1- الأمن الاجتماعي: يخص قدرة المجتمعات على إعادة إنتاج أنماط خصوصياتها في اللغة الثقافة، الهوية الوطنية والدينية والعادات والتقاليد في إطار شروط مقبولة لتطورها وكذا التهديدات والانكشاف التي تؤثر في أنماط هوية المجتمعات وثقافتها.
2- الأمن العسكري: يخص المستويين المتفاعلين المتقابلين للهجوم المسلح والقدرات الدفاعية وكذا مدركات الدول النوايا أو مقاصد بعضها اتجاه البعض الآخر.
3- الأمن السياسي: هو الاستقرار التنظيمي للدول، نظم الحكومات والإيديولوجيات التي تستمد منها شرعيتها.
4- الأمن الاقتصادي: يخص النفاذ والوصول إلى الموارد المالية والأسواق الضرورية للحفاظ بشكل دائم على مستويات مقبولة من الرفاه وقوة الدولة.
5- الأمن البيئي: يتعلق بالمحافظة على المحيط الحيوي المحلي والكوني كأساس تتوقف عليه كل الأنشطة الإنسانية.
الذي حدث منذ 1920 على الأقل وحتى الآن هو إنهاك للأمن المجتمعي ومحاولة واضحة للقضاء على هويته. فممارسات الأجهزة الأمنية والقوانين القمعية التي شرعت لها فرضت واقعا أليما جعل أغلب المواطنين يشعرون بل يتأكدون من أن هويتهم معرضة للخطر. فلم يقتصر أمر الأجهزة الأمنية على مواجهة الأمن العسكري وإنما وسعت من سلطتها لتشمل كافة مجالات الحياة وصار المجتمع مهددا في كل شئونه ويمكن أن يشمل ذلك «تحريم استخدام اللغة، والأسماء واللباس»، من خلال إغلاق أماكن العبادة والتعليم، إلى إبعاد أو قتل أفراد من المجتمع. وان التهديدات الموجهة إلى إنتاج المجتمع يمكن أن تحدث من خلال «تطبيق المستدام للتدابير القمعية التي تتخذها ضد التعبير عن هوية».
إذا كانت المؤسسات التي تنتج اللغة والثقافة يحظر عملها مما يجعل الهوية لا تنتقل بصورة فعالة من جيل إلى جيل. ولذلك فإن استراتيجية العقيدة الأمنية تصنع تكتيكاتها وفق بعدين أساسين هما البعد العسكري (اعتقالات، فرض العقاب الجماعي، التعذيب، النفي، القتل)البعد الثاني ثقافي يتعلق بالهويات المجتمعية (إنكار الحقوق اللغوية، وحرية العبادة، التاريخ، الحقوق المواطنية).
مسارات العقيدة الأمنية 1920- 1975
إن المشاكل التي أعقبت تدشين العقيدة الأمنية بطبعتها الحديثة منذ 1920 لم تكن نتيجة عداء قوى المعارضة لنظام الحكم أو العائلة الحاكمة بل إنها تعود إلى أن العقيدة الأمنية التي تأسست عليها الأجهزة الأمنية توفر الغطاء التام لمواجهة القوى السياسية والقضاء عليها باعتبارها عدوا.
لقد ركزت القوى السياسية المعارضة منذ العشرينات على التغيير السياسي بالأساس وكان همها الأساسي هو المشاركة في إدارة حكم البلاد والتخلص من الحكم البريطاني الكريه ومن سيطرته المباشرة وغير المباشرة.
ومن المؤسف أن النظام الحاكم كان يرى في تلك المطالب استنقاصا لهيبته. ولما كنا قد استعرضنا نماذج من تلك الحركات في بحث الذاكرة الدستورية فإن الإشارة هنا ستكون مقتصرة على ما بعد 1956 ورحيل بلجريف سنة .1957
فقد أعقب القضاء على الهيئة العليا ونفي القادة السياسيين واعتقال العشرات فترة من السكون السياسي بفعل الأدوات القمعية التي فرضت ومنها قانون الطوارئ وقانون العقوبات خصوصا المادة البند 92 التي سمحت لقوات الشرطة اتخاذ ما يلزم من التدابير لتفريق أشخاص تجمهروا بقصد القيام بعمل.. ولا يعتبر الشرطي مسئولا عن أية إجراءات جنائية أو مدنية حتى إذا كانت نتيجة استعمال القوة قد ألحقت أذى بالشخص أو سببت وفاته.
فمن شأن هذه المادة من قانون العقوبات والتي سنجد لها مواد مشابه حاليا من تأسيس العقيدة الأمنية على استسهال أجساد المواطنين وحرمتهم وتسهل كثيرا لقوات الأمن انتهاك كافة القوانين الحقوقية والدستورية. إن مثل هذه العقيدة كانت بحاجة إلى عناصر أمنية أجنبية تقوم بالمهام الموكلة إليها دون النظر إلى أية آثار أخرى وبحلول سنة 1955 رأى نظام الحكم نفسه عاجزا عن مواجهة القوى السياسية المعارضة بمفرده حتى وإن استعان بقواته الخاصة «الفدواية وأبناء الشيوخ» لذا تم جلب شرطة عراقية بدلا من قوات الأمن نظرا لعجزهم عن المواجهة ونقص كفاءتهم العسكرية وقام مسؤول حكومي بزيارة إلى العراق لجلب مزيد من الجنود لتعزيز قوتها البوليسية، استعدادا للمواجهة العنيفة مع حركة الهيئة العليا.
ويظهر من ملفات لاحقة أن هذا التكتيك لم يكن كافيا وأن الحكومة قامت بتشكيل ميليشيات مدفوعة الأجر للقيام بأعمال تخريبية وأعمال عنف لتحريض الناس على قادة الهيئة وفك ارتباط الناس بالحركة ومحاولة التأثير على الفئات غير المسيسة. أما بريطانيا فقد وسعت نشاطها العسكري ووسعت قواعدها لاستقبال قواتها في اليمن ونقلت قواتها من كينيا .1957
انتفاضة 1965
سببها فصل 1500 عامل من شركة النفط فاضرب خمسة آلاف عامل ثم انضم إليهم طلاب المدارس الثانوية وتزايدت حدة المظاهرات وتمددت من المنامة والمحرق إلى الرفاع وسترة والحد. ما ميز هذه الانتفاضة استخدام المواطنين السلاح والرد على السلطة بالمثل فقاموا بحفر الخنادق ووضع الحواجز في طريق القوات البريطانية وبحسب إذاعة لندن بتاريخ 15 آذار، فقد قتل عدد من الجانبين أكثر من عشرة أشخاص وفي التاسع من آذار دخلت الخيول مبنى مدرسة المنامة الثانوية وقتل بعضهم واعتقل أكثر من عشرين طالبا.
وفي تكتيك يؤكد خلو العقيدة الأمنية من أية التزامات إنسانية لجأت القوات الأمنية إلى استخدام الملابس المدنية والاعتداء على الممتلكات لإثارة الضغائن والطائفية، وشكلت لجنة خاصة لمحاكمة أفراد الشرطة البحرينيين الذين رفضوا إطلاق النار. كما شكلت محكمة خاصة للحكم على المعتقلين السياسيين وتدخلت وحدات عسكرية بريطانية ونصبت الأسلاك الشائكة في الطرق ولأول مرة في تاريخ البحرين تم استخدام طائرات الهيلوكبتر لإلقاء قنابل المسيلة للدموع.
استمرت الانتفاضة ثلاثة أشهر بعدها أعادت شركة النفط العمال المفصولين إلى أعمالهم فعاد الطلاب إلى مقاعدهم الدراسية وعاد الناس إلى أعمالهم. وقدرت صحيفة اللموند الفرنسية الشهداء بحوالي عشرين قتيلا وعشرات المعتقلين.
بعد هذه الانتفاضة توالت الاضطرابات العمالية بقيادة تنظيمات اليسار وكان أقواها اضطرابات 1972 كما ضاعفت الأجهزة الأمنية قوتها لتكون مؤهلة تماما للسيطرة على النظام السياسي على الدولة بحلول أغسطس 1975 بفعل المرتزق البريطاني هندرسون. وهو ما سنراه في الحلقة القادمة
أضــــــف الصفحــة
التعليقات ( 0 ):