الغزو الفكري وحماية الشذوذ بقوة القانون

الإسلامية - بقلم: د. عباس هاشم - 23/07/2010م - 4:22 م | عدد القراء: 62

توهين عقيدة التوحيد في نفس الفرد المسلم ينتج عنها انحراف في سلوكه بالمقدار نفسه، ومن ثم الانسياق مع شهوات النفس من دون تقيّد بالحكم الشرعي،


 وهذا مما لا شك فيه هدف أكيد لأعداء الإسلام، ولهذا توجد محاولات قوية لزرع أفراد حتى من داخل التيار الإسلامي، تتبنى الفكر الليبرالي، وهو الفكر السائد في الغرب، ويُعنى بالحرية الفردية المطلقة، سواء على مستوى حرية الفكر والتعبير أو الحرية الشخصية. ويحمي هذا المذهب الحرية الشخصية فيما يتعلق بسلوك الفرد من ضغوط الدولة ومن ضغوط المجتمع.

وفكرة الحرية الشخصية تعني في الواقع اتباع الشهوات، تعني وبصورة حتمية شيوع ثقافة الاستهلاك من كل ما يشبع الشهوات ويبعث على اللذة، وهذا السلوك وليد طبيعي لمذهب الحرية الفردية المطلقة (الليبرالية) الذي لا يرى في الوجود سوى فرصة لإطلاق عنان الشهوات.

ولا شك أن المستفيد من ثقافة الاستهلاك التي يمكن أن نطلق عليها ثقافة اتباع الشهوات، هي الشركات المتعددة الجنسيات التي تسيطر سيطرة قوية على ثروات الكون، ومن مصلحتها ترويج فكرة الحرية الشخصية بجانب فكرة الحرية الاقتصادية، لأن الأولى تدفع الأفراد للاستهلاك من السلع والخدمات نتيجة غلبة الميول المادية مما ينعش عجلة الإنتاج لهذه الشركات، وعولمة الحرية الاقتصادية تمكنهم من السيطرة على مفاصل الدولة عن طريق السيطرة على ثرواتها والتحكم في اقتصادياتها، فالنتيجة الحتمية لنجاح الغزو الفكري: السيطرة الاقتصادية وفصل الأمة عن قضاياها المصيرية.

غير أن هذه العملية - أي التغيير الفكري أولاً - شاقة، فمن الصعوبة جدا إقناع الفرد المسلم بخلاف الإسلام وعقيدة التوحيد، وقد باءت حملات التشكيك في الإسلام بكثير من الفشل وذهبت أدراج الرياح مع ما تم رصده لصالحها من جهود وأموال وجامعات تم افتتاحها أثناء فترة وجود المستعمر من أجل التبشير بالدرجة الأولى وليس من أجل نشر نور العلم والمعرفة.

 وفي الحال طبيعي أن تتبدل أفكار الأمة وقيمها وثقافتها تدريجياً، ومن ثم تصدر الدولة تشريعات جديدة للتوائم مع الثقافة الجديدة، ولكن لصعوبة الغزو الفكري الذي ضيق نطاق تأثيره على بعض النخب، قاموا بسلك طريقين آخرين لاختصار الطريق.
الطريق الأول: فرض وحماية الثقافة الغربية في البلاد الإسلامية عن طريق قوة القانون.
الطريق الثاني: نشر ثقافة الاستهلاك أو بالأحرى ثقافة اتباع الشهوات.
حماية الثقافة الغربية وانضمام الدولة لاتفاقيات حقوق الإنسان

     في بعض الدول الغربية يتم حماية الحريات الشخصية التي تُعد بعضها جرائم تستحق أشد العقوبات في الإسلام، بواسطة التشريعات القانونية التي تبيح - على سبيل المثال الشذوذ الجنسي، وحتى الزواج المثلي، وحق المرأة والرجل في تكوين علاقات جنسية خارج نطاق الزواج وغيرها من الممارسات.

 وتوجد محاولات لترويج الحرية الشخصية وعولمتها بهذا المنظار على المستوى الدولي وفرضها على الشعوب الأخرى عن طريق إصدار تشريعات قانونية تحمي الراغبين في القيام بتلك الممارسات. وقد حصلت اندفاعة في بعض البلدان الإسلامية لتوقيع العديد من العهود الدولية الخاصة بحقوق الإنسان من دون التحفظ على بعض موادها المصاغة بعيون غربية لا تراعي الثقافة الإسلامية، فتجعل من الزواج المثلي- مثلا- والممارسات الجنسية الشاذة وخروج المرأة شبه عارية وغيرها من الممارسات حرية شخصية، يتم حماية من يمارسها بقوة القانون، وذلك يتم بعد انضمام الدولة لهذه الاتفاقيات الحقوقية الدولية من دون تحفظ على المواد المعنية، وانضمام الدولة يعني أن مواد الاتفاقية أصبحت قانونا ملزماً ويعني أيضاً إلغاء تلقائيا للقانون المحلي الذي يتعارض معها.. وهذا كله عبارة عن فرض ثقافة غربية بقوة القانون.

 اتضح أن بعض الأصحاب الذين كانوا يرفضون التحفظ على المواد المعارضة مع القيم الإسلامية، واهمون، فقد كانوا يدفعون باتجاه انضمام البحرين للعهدين الدوليين الخاصين بالحقوق المدنية والسياسية وبالحقوق الاقتصادية والثقافية، وكانوا يزعمون أن انضمام الدولة يكفي حتى عن التعديلات الدستورية على دستور ,2002 ويزعمون أننا نكسب أكثر مما نخسر حتى في حال القبول بجميع مواد الاتفاقيات الحقوقية بما في ذلك المواد المصاغة بعيون الثقافة الغربية.

ولكن لو أنهم نظروا إلى من قبلهم من الدول العربية المستبدة التي انضمت لكل هذه الاتفاقيات منذ السبعينات من القرن الماضي كعراق صدام حسين سابقاً وبعض دول المغرب العربي ذات نظم الحكم المستبد لتوقفوا عن الغرق في هذا الوهم، إذ أن الدولة المستبدة في حال امتنعت عن التطبيق النزيه للقانون المحلي فضلا عن الاتفاقيات الحقوقية، فمن يجبرها على ذك؟ لا أحد.


التعليقات ( 0 ):



لاتوجد تعليقات!


اضف تعليق:


اسمك:
بريدك الإلكتروني:
البلد:
التعليق:


أقصى عدد للحروف: 500 حرف

عدد الأحرف المتبقية: