«لو كانت حكومة شيعية وظلم سنيٌ واحد، لما بخل الشيعي المؤمن عن الدفاع عنه ومواجهة ظلم الحكومة»
آية الله قاسم: أقلام تستغل وفاة العلماء للتشويش على الفكر الديني

أشار سماحة آية الله الشيخ عيسى قاسم في خطبة الجمعة الماضية بجامع الإمام الصادق (ع) بالدراز بأنه ولأكثر من مرة وعندما تتوفى بعض الشخصيات العلمائية المعروفة بعقلانيتها وانسجامها مع المرونة الإسلامية المعتدلة في التعامل مع الآخر،
والنظر في الآراء، والدعوة إلى الله عز وجل بالحكمة والموعظة الحسنة، والجدل بالتي هي أحسن، تتصدى بعض الأقلام غير المخلصة للتشويش على الفكر الديني، واصطياد العقول عن طريق العاطفة، والتأثير على الرؤية الإسلامية الصادقة، وعملية التضليل والتحريف المتعمد لفكر الشباب، في مادة من الثناء والتمجيد لشخصية المتوفى بالصورة التي تخدم هدف التشويش والتضليل وتشويه الفكر الإسلامي وتوجهات الإسلام وتسيء إلى شخصيات علمائنا الكرام من ناحية إسلامية.
ولفت سماحته بأن هذه الأقلام تتحدث عن انفتاح هذه الشخصية المتوفاة أو تلك وكأنه انفتاح بلا حدود ولا ضوابط، ولا يميز بين إيمان وكفر، وإستقامة وانحراف، وعدل وظلم، وتقوى وفجور، وهدى وضلال، وتتحدث عن انفتاح لا ينطلق من هوية، ولا يحترم حدود دين، ولا يرعى له حرمة، مؤكداً بأن هذا كيدٌ بالإسلام، وفنٌ من الفنون الشيطانية في هدمه، وينطلق من أغراضٍ سيئة وأهدافٍ سياسية خبيثة، مذكراً في نفس الوقت بوفاة الجمري (رحمه الله) وكيف أنه أريد له أن يجير لغير الإسلام، وتتكرر التجربة مع سماحة آية الله السيد محمد حسين فضل الله بعد وفاته حسب قوله.
مكر لا يفرق بين الحق والباطل.. فلنحذر منه
وأضاف «هذا اللون من المكر يوجه خطابا للجمهور المؤمن بأن الشخصية الإسلامية المثال هي التي تعيش هذه الحالة من الإنفتاح المبتسر، وتضحك للفساد، ولا تفرق بين واجب العمل على وحدة الأمة وصيانتها وحمايتها والدفاع عن حقوق كل أبنائها، وبين السكوت على ظلم الظالم، وعربدة المعربد، وافساد المفسد، والسرقات العامة واغتيال الشعوب ووحدتها.
علماؤنا دعاة وحدة، وانفتاح للوحدة، ومن أجل الحق وخدمة الحق، ولتقريب الناس للدين، وليس انفتاحهم مساواة بين الحق والباطل، وبين الفساد والصلاح، وما يراد له أن يقدم لعقلية شبابنا أن هؤلاء العلماء يقفون الموقف الواحد من الفساد والصلاح، من الكفر والايمان، فلنحذر».
وشدد سماحته بأن هذا الخطاب يوحي للجماهير المؤمنة بأن تنفصل عن المدافعين عن الحقوق، المناضلين عن عزة الأمة، المحامين عن حرمة الدين وقدسيته وسلامة مفاهيمه وأحكامه، والذائدين عن حرم الأخلاق وحرمة القيم، موضحاً بأن هذه الأقلام توجه ضربات موجعة وترتكب أثما عظيما في حق شخصياتنا العلمائية التي عرفت بإنفتحاها المبدئي -وليس كل انفتاح- وحرصها على الإسلام وتمسكها بقيمه ورساليته، وحديته من الظلم والتمييز والتمييع والإضلال للإنسان، والتي وقفت مواقف صريحة جرئية ممضائة، وضحت تضحياتٍ باهضة صابرة، ودفعت ثمناً عالياً غالياً من راحتها وأمنها، وتعرضت للأذى القاسي المستمر في سبيل القيم والأخلاق والمبادئ، وكان همها الدين وإلتزمت خطه رغم كل التحديات.
اغتيال شخصياتنا العلمية
وقال سماحته بأن ذلك يعد محاولة اغتيال خبيثة لشخصياتنا العلمية الدينية، تشارك فيها أكثر من جهة، ولأكثر من غرض، وتتكرر مع أكثر من وفاة عالم مجاهد يحتل مكانةً في نفوس المؤمنين، وهي محاولة اغتيال لحالة الوعي الإسلامي عند شبابنا، واسقاطٌ لقيمة العاملين في سبيل الله بأمانة واخلاص ومبدئية ورسالية، في وضع من الإنفتاح الذي يرضاه الله سبحانه وتسمح به شريعته، أرضى هذا الإنفتاح المعتدل الآخرين أو لم يرضهم.
وأردف «إن الدعاة إلى الله لا يركضون وراء اعجاب الصحف ووراء اعجاب الأقلام المأجورة، إن الدعاة الصادقين لله عز وجل إنما يطلبون رضاه ويتقيدون بما أمر ونهى، أصحاب هذه المحاولة المغتالة لشخصياتنا العلمائية الدينية العزيزة، يعرفون تماماً مبدئية تلك الشخصيات وتمسكها بالإسلام الذي يرسم حداً فاصلاً بين الكفر والإيمان، والظلم والعدل، والإنحراف والإستقامة، ولا يسمح بخلط الأوراق ولا التقول على الدين، ولا إدخال ما ليس منه فيه، ولا يأذن بالموافقة على الظلم ومباركة البغي، والرضا عن الفساد، والتمييز بين الناس بغير حق».
هذه الأقلام أعدى أعداء مواقف العلماء
وذكر سماحته بأن هذه الأقلام هي أعدى الأعداء لمواقف أؤلئك العلماء الأفذاذ المناهضة لكل أشكال الفساد والظلم والتمييز الجاهلي وإذلال الشعوب والأمة، ولكنهم يغمضون عن كل ذلك في كتباتهم الكاذبة عن شخصية هذا العالم المجاهد أو ذاك، ويظهرون بمظهر المحب المعجب الذي لا يبخل بالثناء والتمجيد والتكريم للشخصية المستهدفة، مشيراً إلى أن الإنفتاح الذي يرضاه دين الله سبحانه هو انفتاح ينئى بالشخصية الإسلامية العارفة بالإسلام عن التعصب الأعمى والظلم للآخر أو السكوت عليه والرضا به وعدم دفعه مع الإمكان، وعدم الغمط لقيمة كلمة الحق، وموقف الحق السليم من أي مكانٍ جائت هذه الكلمة، وقبول وجهة النظر من أين جائت، وعدم الإنغلاق عن حوار الآخر والسماع لما عنده من رأي وما يبديه من عذر.
واستطرد «إنه انفتاح لا يضع شرطاً على قبول الحق، ولا يستثني منه ما صدر من مكانٍ خاص أو زمانٍ معين أو جهةٍ محددة، ولا يألو جهداً في جمع الناس على الحق، وعلى احترام بعضهم بعضا، ورعاية الحقوق، وتقدير الحرمات، وحفظ كرامة الإنسان، واعطاء كل ذي حقٍ حقه، والإنصاف في الكلمة الموقف، هذا هو إسلامنا، وهذه هي تعاليمنا التي نتحرك على ضوئها وننطلق منها في التعامل مع الآخر، أن يظلم أخي المسلم، أن يظلم أخي المسيحي، أن يظلم الإنسان أي انسان، وأنا أقدر على دفع ظلمه ولا أدفعه، هذا عمى.. الإسلام يدفع الظلم كل الظلم عن أي انسان، تكليف الإنسان المسلم إذا استطاع أن يدفع الظلم عن أي إنسان كان عليه أن يدفعه».
الإنفتاح الذي تدعوا له بعض الأقلام لا يعرفه الإسلام
وأكد سماحته بأن القوم يريدون أن يتهموننا بالطائفية في صورة من الكذب الفاضح، ولم تسمع من هذه المنابر في يومٍ من الأيام كلمة مفرقة، وكانت الدعوة دائماً دعوة إلى الاتحاد، وأحدنا مستعد لبذل نفسه إذا استطاع في سبيل الدفاع عن حق الآخر، وحقك أنه لو كانت حكومة شيعية وظلم سنيٌ واحد، لما بخل الشيعي المؤمن الواعي عن الدفاع عنه ومواجهة ظلم الحكومة، لافتاً بأن الإنفتاح التي تدعوا إليه الأقلام المنغلقة عن الحق، المتعصبة للباطل، المشاركة في ظلم الشعوب، المنطلقة من روح التمييز، المتآمرة في الظلام على سلامة الدين وكرامة الإنسان وحق المحرومين، وتطالبنا به، هو انفتاح لا يعرفه الإسلام ولا يمكن أن يعتبره الإنسان المسلم، وليس لنا أن نعيره اهتماما، وهو يطالبنا أن نميع أمام الظلم، وأن نصفق للباطل، وأن نهرول مع من يهرول على خط تدين الأمة وتغريبها ومسخ هويتها وأن ننسلخ من الهوية ونندمج في جو الفساد والمفسدين.
لسنا على استعداد للتنازل عن الدين
ونوه سماحته بأنه لسنا على استعدادٍ لأن نفعل شيئاً من هذا إن شاء الله، مضيفاً بأن رضا الأقلام الفاسدة المفسدة لا يُنال إلا بالتنازل عن الدين والشرف والعزة والكرامة، والإنفصال عن الله عزوجل، وبيع النفس للشيطان، وتردي الذات، والخروج من حد الإنسانية، فهل يفعل عاقلٌ بنفسه كل ذلك، حتى ينال رضا الصحافة الساقطة والعقول المريضة والنفوس المسكونة للشيطان؟، موضحاً بأن حملات التشويه لشخصياتنا العلمائية المخلصة، وايهام الشباب بمفاهيم مكذوبة على الإسلام وفصلهم عن الشخصيات الإسلامية المبدئية، لا يسقطها إلا تقدم وعي الشعوب ويقظتها ومعرفتها بالإسلام ورؤاه واحكامه، وتنبهها بدسائس أعداء الإسلام والشعوب.
إنسانية الإنسان تذبل بذبول الروح
وعن «حياة الروح، وشهر شعبان» قال سماحته بأن إنسانية الإنسان تظهر بحياة روحه ونشاطها لا بحياة بدنه وعنفوانها، وتذبل إنسانية الإنسان بذبول حياة الروح وتموت بموتها، وحياة الروح في الدين، فمن كان على دينٍ قويم وإلتزامٍ بدينه حيت روحه حياةً طيبة، وزكت ونمت نماء كريماً، وغزرت إنسانيته، وتدفق عنه الخير، وطفحت حياته بالصلاح، ومن لم يكن كذلك أصاب حياة روحه العطب والخمول، ودخلها الفساد فأنتكست إنسانيته، وسقطت عن مستواها، ورشح عنه شرٌ كثير، وأوبئ جو الحياة.
وأوضــح سمــاحته بــأنه إذا كـــان بحــياة الأبـــدان من ربيعٍ وجوٍ مناســبٍ فــإن حيــاة الأرواح لهـــا جوٍ مناســـبٌ وربيــع، ورجـــب وشعبان وشهــر رمضـــان ربيــعٌ للأرواح المهيئة للإزدهار أو عودة الحياة إليها من جديد، فيه فرصة كبيرة لإستعادة الصحة بعد الإعتلال، والنشاط بعد الكسل، والرواء بعد الجفاف، والقوة بعد الضعف، والحياة الكريمة بعد المشارفة على الهلاك.
أشهر غنية بذكريات عظيمة
ولفت سماحته بأن هذه أشهر غنيةٌ بذكريات عظيمة ومناسبات عزيزة من ذكريات الإسلام ومناسباته، فيها مواليد عددٍ من أئمة الهدى وأبطال الإسلام من الإمام الجواد والإمام الهادي وعلياً أمير المؤمنين والإمام الحسن الشهيد والإمام زين العابدين والعباس بن علي (عليهم السلام)، وفيها المبعث النبوي الشريف، ويوم بدر الكبرى، وليلة القدر التي هي خير من ألف شهر، وتنزل القرآن الكريم على روح رسول الله (صل الله عليه وآله وسلم)، كل هذه الذكريات تحفل بها الأشهر الثلاثة، وهي أشهر غنية بأذكارها وصلاوتها وصومها وهداها، وجوها الإيماني العام، ولطائف نسماته التي تهب على أرواح المؤمنين فتزيد في يقضتها وحيويتها ورشدها وهداها.
أبطال كربلاء شاهد على العظمة والوفاء
وأضاف سماحته بأن هذه الأيام من شعبان هي أيام ذكريات مواليد الأبطال الثلاثة الذين قامت على أكتافهم إلى جنب الثلة الطيبة من بني هاشم والأنصار الأخيار وزينب بنت أمير المؤمنين (عليهما السلام) ثورة كربلاء، وأداء رسالتها، واعطاءها البقاء التاريخي الممتد، والأثر الكبير الهائل الكريم في حياة الإسلام والمسلمين، والحفاظ على أصالة دين الله وصدقه ونقائه، ولقد كان لكلٍ من أبطال هذه الذكريات الثلاث شاهدٌ على العظمة والصدق مع الله عزوجل والوفاء إليه والإخلاص.
وذكر سماحته بأن دورهم كان فيه درءٌ للخطر عن الإسلام وحمايته وتصحيح مساره، وافشال عملية التحريف الواسع والقاتل لرؤاه ومفاهيمه وأسسه، ولا يوجد بيتٌ في الأرض على الإطلاق حمى الإسلام كما حماه أهل بيت النبوة (عليهم السلام)، أو ضحى من أجله كما ضحوا، أو أصابه في سبيله كما أصابهم، ولا من يملك من علم الإسلام ما يملكون، ومن الإحاطة بأسراره ما كان لهم من إحاطة، ولا من الحرص على سلامته ما يبلغ حرصهم عليه.
أضــــــف الصفحــة
التعليقات ( 0 ):